الشيخ محمد حسين الحائري
198
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
لا يتصف به وأما ما تأول به أمر الصفة فتعسف واضح يقطع بفساده كل من له مسكة بمداليل الألفاظ فإن وجوه تركيب اللفظ يختلف باختلاف طرق التأدية ففرق بين قول القائل أكرم طوال بني تميم لو أكرم بني تميم طوالهم أو أكرم بني تميم الطوال حيث عبر في الأول بطريق الإضافة وفي الثاني بطريق البدلية وفي الثالث بطريق الوصف ولا يلزم من اتحاد المؤدى في هذه الصور اتحاد طرق التأدية والمساواة في الاحكام وأما الضمير في قوله أما القصار منهم فراجع إلى مطلق بني تميم المفهوم من ذكر المقيد ولو بطريق الاستخدام ودعوى رجوعه إلى بني تميم باعتبار ما دل عليه واستعمل فيه مجرد دعوى لا يساعد عليها الوجدان وأما في الثاني فلان لفظ العام إذا كان موضوعا لخصوص الجميع كان إرادة البعض منه موجبا لإرادة غير الموضوع له ضرورة أن البعض غير الجميع فيكون مجازا فيه لا محالة نعم يتجه على أصل الحجة أنها لا تستقيم على إطلاقها فإن الجمع المعرف مختص بالعموم وضعا حيث لا يتعين ما دونه من المراتب وكذلك الموصول مع أنه لو تعين كان استعماله فيه حقيقة أيضا ولا اشتراك فإن مدلول الجمع المعرف ما فوق الاثنين من الافراد المتعينة باعتبار تعينها وكذا مدلول الموصول الشئ أو الشخص المتعين بصلته باعتبار تعينه بها فحيث لا شاهد على التعيين يتعين الحمل على الجميع لتعينه من بين المراتب ولهذا إذا تعين البعض بعهد أو وصف أو شبهه صح الاستعمال فيه من غير تجوز ولا اشتراك ويعرف الكلام في نظائره مما مر حجة القول بأنه حقيقة إن كان الباقي غير منحصر أن معنى العموم حقيقة كون اللفظ متناولا لما لا ينحصر في عدد فحيث يكون الباقي كذلك يكون عاما والجواب منع كون ذلك معنى العموم بل معناه تناوله لجميع أفراد مفهومه وأما كون الافراد محصورة أو غير محصورة فلا مدخل له في ذلك فإذا اختص بالجميع وضعا واستعمل في غيره كان مجازا لا محالة وإلا فلا تجوز سواء انحصر أو لم ينحصر كما عرفت قال العضدي ولا يخفى أن هذا منشؤه اشتباه كون النزاع في لفظ العام أو في الصيغ يعني كون اللفظ متناولا لما لا ينحصر معنى لفظ العام لا معنى صيغته المبحوث عنها في المقام ولا يخفى ما فيه إذ لا نسلم أن ذلك معنى العام أيضا وإلا لكان ذلك مدلول صيغته أيضا بل معناه أعم من ذلك كما عرفت حجة من فصل بين التخصيص بما لا يستقل وبين التخصيص بالمستقل أن التخصيص بما لا يستقل كالمقيد بالصفة مثل الرجال المسلمين أو بالشرط كأكرم بني تميم إن دخلوا لو كان موجبا للتجوز لكان مسلمون للجماعة والمسلم للجنس أو للعهد ونحو ألف سنة إلا خمسين عاما مجازا والتالي بأقسامه باطل بالاتفاق بيان الملازمة أن كل واحد من المذكورات مقيد بقيد هو كالجز له وقد صار وضعا حيث لا يتعين ما دونه من المراتب وكذلك الموصول مع أنه لو تعين كان استعماله فيه حقيقة أيضا ولا اشتراك فإن مدلول الجمع المعرف جز للكلمة والمجموع لفظ واحد واللام في المسلم وإن كانت كلمة اسما أو حرفا لكن الدال هو المجموع لأنه يعد عرفا كلمة واحدة لا أن مسلما للجنس واللام للقيد والاستثناء إخراج بعد إرادة العموم من اللفظ وشئ من ذلك لا يتحقق في العام المخصص فلا يلزم من كونه مجازا كونها مجازات وفيه نظر لأنه إن أريد أن الواو في مسلمون واللام في المسلم ليس موضوعا لجز المعنى بوضع مستقل فهذا مع فساده في نفسه بشهادة التبادر على خلافه غير ملائم لما ذكروه في حد المركب من أن حروف المضارعة في المضارع تدل على جز المعنى وجوهرة يدل على الجز الاخر وكذلك نحو ضارب وسكران مما يشتمل على مادة تدل على جز المعنى وهيئته تدل على الجز الاخر فإن الالتزام بتعدد الوضع هناك يوجب الالتزام به هنا بطريق أولى وإن أريد أنهما وإن كانا موضوعين بوضعين مستقلين ودالين على المعنى بدلالتين لكنهما يعدان في العرف كلمة واحدة لعدم استقلالهما من حيث اللفظ ففيه أن مدار الاستدلال ليس على كونهما كلمتين عرفا إذ لا مدخل لهذه التسمية في ذلك بل على كونهما موضوعين ودالين فإن الحقيقة والمجاز من توابع الموضوع المستعمل سواء وصف عرفا بكونه كلمة أو لا ومن هنا يتبين أن من عرف الحقيقة والمجاز بالكلمة ينبغي أن يكون مراده بها المعنى الأعم لئلا ينتقض عكسه بمثل ذلك وأما ما ذكر في المثال الأخير من أن الاستثناء إخراج بعد إرادة العموم فلم يثبت منافاته لمقالة الخصم فلا يصلح جوابا عنه وتحقيق المقام أن المستدل إن أراد بمقالته أن التخصيص بما لا يستقل من قبيل التقييد في عدم استلزامه التجوز وأراد بذلك التخصيص لا بمعنى استعمال ما اختص بالعموم وضعا في الخصوص استقام كلامه حيث إنهما يشتركان حينئذ في كونهما مستعملين في تمام المعنى وأن الزائد عليه من التخصيص أو التقييد مراد من أمر آخر ولا حاجة له حينئذ إلى التمسك بمثل مسلمون والمسلم مما يكون التقييد فيه كالجز حتى يرد عليه منع كونهما كلمتين عرفا بل له أن يتمسك بكل مطلق ورد عليه التقييد كقولك اضرب زيدا فإن اضرب مجردا عن القيد موضوع لطلب مطلق الضرب وبعد التقييد بالمفعول صار مفاد المجموع طلب ضرب خاص بحيث لا يحتمل غيره وهو غير ما وضع له لفظ اضرب ويتم به تقرير النقض وأما الحل فبيانه أن مجازية اللفظ المستعمل إنما يكون بإرادة غير معناه الموضوع له منه لا بأن يكون المراد منه ومن غيره غير معناه الموضوع له فإن ذلك لا يوجب صيرورة اللفظ مجازا وإلا لكان كل لفظ مجازا إذا تركب مع غيره ولا ريب أن القائل اضرب زيدا لا يريد بقوله اضرب إلا طلب الضرب المطلق وتقييده بزيد لا ينافي إرادة ذلك وإن دل على إرادة طلب الضرب المقيد لان إرادة المقيد تشتمل على إرادة المطلق إذ المراد بالمطلق ذات المطلق لا هي بصفة الاطلاق وعلى هذا القياس مسلمون والمسلم وإن أراد أن التخصيص بغير المستقل مطلقا من قبيل التقييد كما يشعر